الأرض - قصة قصيرة



الأرض
بقلم: ريهام زهران

"جميلة وهي جميلة.. بس غريبة شوية " هكذا تحدث أستاذ سمير معلم للدراسات واصفا زميلته التي استلمت العمل بالمدرسة فقط من أسبوع واحد. "من ساعة ما جت و هي زي النحلة عمالة تتحرك في المدرسة، و طول الوقت لابسة نضارتها الكبيرة الغامقة دي. هي أنيقة وإجتماعية بشكل غير طبيعي خلال أيام اتصاحبت على المدرسة كلها طلبة و مدرسات. بس بحسها غريبة.. بتظهر فجأة وتختفي فجأة و......"
يقطع كلامه دخولها المفاجيء للحجرة وكأنما أتت على ذكر سيرتها "أستاذ عمر، أهلا بحضرتك. لسة عارفة إن حضرتك جيت تتابعنا للأسف أنا كان عندي الحصة الأولى وكنت أتمنى تحضر وتشوف طالباتي المميزات"  تفتح حقيبة أوراقها لتخرج اسطوانة مضغوطة " دي الوسيلة التعليمية الي استخدمتها النهاردة. أتمنى تعجب حضرتك."
ينظر عمر موجه الدراسات لسمير ولا يجد ردا سوى " احم، ممتاز ممتاز"
-تتكون مدرس"النجاح" من أربعة حجرات ثلاث منها تستخدم كفصول والرابعة مكتب للإدارة ومكان لتجمع المعلمين والمعلمات. ليس لها سور. تقع في قرية نائية في وسط الصحراء. لكن أهالي المنطقة الطامعين في تحسين تعليم ابنائهم أملا في حصولهم على فرصة أفضل في الحياة قدموا الكثير من الطلبات حتى وافق المحافظ على بناء مبنى جديد وسور للمدرسة.-
يقطع الصمت صوت سمير" أستاذ عمر حضرتك عرفت إن المحافظ أخيرا وافق على المبنى الجديد لا وكمان هيبقى عندنا سور. و سبحان الله الخير على قدوم الواردين، أول ما بدأ الحفر تاني يوم المدرسة نورت بقدوم أستاذة جميلة. "
تنتفض جميلة كأنما لدغها عقرب ناظرة إليه باستغراب " وأيه علاقة نقلي هنا بالمبنى الجديد؟!"
يرد سمير " أنا قصدي يعني إن وشك حلو علينا... و..."
يقاطعه عمر لكي ينهي عمله ويغادر سريعا ليجد أية سيارة تقله إلى المدينة "عموما، أنا برحب بيكي هنا يا بنتي وواضح إنك نشيطة وشغلك مميز. أتمنى تحافظي على المستوى دا."
تبتسم " إن شاء الله هكون عند حسن ظن حضرتك."
انتهى اليوم الدراسي فخرجت جميلة تنتظر سيارة أمام المدرسة.. يخرج المدير ويتوجه لسيارته وبينما يتحرك يراها فيناديها "أستاذة جميلة تعالي يا بنتي أوصلك." تنظر حولها فلا تجد أحدا غيرها.. تتوجه إلى السيارة وتشكره.
**********
بعد انتهاء الطابور يمسك أستاذ مسعد ناظر المدرسة بالميكروفون معلنا " السادة أعضاء هيئة التدريس اجتماع طارئ في الإدارة."
يهرع المعلمون للمكتب ليجدوا مسعد وقد ارتسمت علامات القلق على وجهه "حد منكم يا جماعة شاف أستاذ عبد الراضي المدير امبارح أو النهاردة أو كلمه"
يرد سمير" خير يا أستاذ مسعد."
 يجيب مسعد "أستاذ عبد الراضي مختفي من امبارح وأسرته قلقانين عليه جدا وبلغوا الشرطة بس ملوش أثر."
 يصمت الجميع في صدمة ممتزجة بخوف معلنين إجابة سلبية لسؤاله.
ينطلق المعلمون لفصولهم وبينما يغادرون الحجرة ينادي سميرعلى جميلة "جميلة خلي بالك من نفسك. بعد كده لو اتأخرتي هسنناكي نروح مع بعض"
ابتسمت بسخرية" لا متقلقش عليا.." خطت خطوتين ثم التفتت" خلي بالك من نفسك بس..."               

صباح جديد.. ينتهي الطابور.. يغادر المعلمون بينما يتمتم أحدهم"ربنا يطمنا عليك يا أستاذ عبدالراضي المدرسة وحشة من غيره.. " ثم يعلو صوته " محدش يا جماعة سمع أخبار جديدة.. دا حتى أستاذ مسعد كمان مجاش ..."
يقطع حديثه رنة هاتف سمير: "لما البنت الحلوة تعدي كله .." يرد "أيوة يا أستاذ مسعد.. أُمال مين حضرتك؟ آه أهلا وسهلا أُمّال هو فين؟. آه نسي تليفونه .. أيييييه؟؟؟ دا احنا لسة بنسأل عليه"... يقف الجميع في أماكنهم محدقين كمن ينتظر إعلان نتيجة امتحان مهم .. " لا مجاش.. أيه؟؟ مختفي من امبارح ؟!"  نزلت الجملة على الجميع كالصاعقة فوقفوا كالتماثيل من هول الصدمة. لم يعِ سمير ما دار في بقية المكالمة ولا سمع أي منهم كلمة واحدة بعد كلمة "مختفي"..
ومن فرط الصدمة ظل الجميع صامتون لبقية اليوم ما بين من يخطط للحصول على إجازة حتى تتضح الأمور وآخر يريد أن يطمئن على زملاءه.
تمر عطلة نهاية الأسبوع ثقيلة على جميع العاملين بالمدرسة، ويملؤهم الخوف و الترقب لخبر أول الاسبوع..
يعودون، فيجدون القرية متشحة بالسواد .. تنادي أستاذة هبة على إحدى الطالبات " منار، تعالي.. خير يا بنتي أيه الي حصل؟" ترد بعينين دامعتين" صلاح و إسلام ولاد عمي يا أبلة كانو بيلعبو عند المبنى الجديد و فجأة اختفوا و لحد دلوقتي مرجعوش."
"أيه؟ من إمتى طيب؟ طيب دورتوا كويس يمكن راحوا عند حد؟"
"من يوم الخميس يا أبلة.. و قلبنا الدنيا و نادينا في الجامع.. كل الناس بتقول أخدهم .......بسم الله الرحمن الرحيم.. و إن مكان المبنى الجديد مسكون .."
ترد هبة بصوت مرتعش" آ آ احم بلاش الكلام دا يا منار... آ آ إن شاء الله هيظهروا.."
يجتمع المعلمون.. وجوه يكسوها الحزن و قلوب تكاد تنخلع من شدة الخوف.. يقطع صمتهم صوت هبة" هو أيه يا جماعة الي بيحصل المدير و الناظر يختفوا و بعدين اتنين من الطلبة.. تفتكروا دا بجد له علاقة بالمبنى الجديد؟"
ترد جميلة "أكيد له علاقة. لازم نقدم طلب بوقف البناء.. أو يشوفولنا مكان تاني أصلا للمدرسة. احنا كده هنضيع كلنا يا جماعة."
يرد سمير" أيه يا أستاذة جميلة؟! حضرتك متعلمة و احنا ناس متعلمين . أكيد في جانب جنائي للموضوع.. لازم الشرطة تتدخل و تحمينا .. يمكن في حد عايز الأرض دي و عايز ينشر الذعر عشان الكل يبعد عنها."
"أستاذ سمير.. مختلفناش في كل الأحوال في حد عايز الأرض دي و يمكن هي أصلا بتاعته و احنا واضح إننا مش قده فياريت نحافظ على حياة الباقيين مننا. دا بغض النظر عن مين الحد دا."
"بتتكلمي و كأنك عارفة الحد دا."
يحمر وجه جميلة غضبا.. تنظر إليه من خلف عدسات نظراتها البُنِّية.. لا يعلم كيف هي نظرتها لكنه يشعر و كأن نارا تخرج من عينيها وتتطاير صوبه.. ترد بغضب " أكيد... أكيد قريب كلنا هنعرف كل حاجة."
تقترح هبة أن يوقع الجميع على طلب لنقل مبنى المدرسة حرصا على سلامة الطلبة و المعلمين.. يوقع الجميع عدا سمير ..
يغادر الجميع في جماعات، يمشون معا وقلوبهم ترجف رعبا.. كل منهم يتمنى أن يصل بيته عازما ألا يعود إلى القرية مهما حدث.. تتأخر عنهم جميلة .. تطول حصتها الأخيرة.. الطلبة -على حد قولها- لا ذنب لهم و هم يحتاجون لمزيد من المراجعات.. تخرج من الفصل لتجد الجميع قد رحلوا تنظر حولها فلا تجد أحدا. و فجأة يأتي سمير من مكتب الإدارة صارخا "وعد الحر دين عليه." ثم يضيف ضاحكا " اتخضيتي عليا ال..."
تقاطعه "أنا مبتخضش ..أنت متعرفنيش." يكرر دعوته أن تدعه يصحبها في طريق العودة خوفا عليها، فتوافق.
يطول الوقت بينما ينتظران على الطريق بلا مارة ولا سيارات.. تجلس على حجر كبير على جانب الطريق لتريح قدميها .. يقف بجوارها.. " بس أنتي غامضة أوي.. بعدين أنتي فعلا تعرفي سر الي بيحصل دا ولا أيه؟"
 ترد"خليك في حالك و متجادلنيشفي حاجة متفهمش فيها."
 "قصدك أيه؟ مثقفة أوي حضرتك.. ولا بتحضّري أرواح؟"
 تقف وتقترب منه "قصدي إن أنا عارفة بتكلم عن أيه.. متجادلش ووقّع على طلب نقل المبنى حرصا على سلامتك."
"مش عارف أنتي خايفة عليا ولا بتهدديني."
يتغير وجهها و تتحدث بغضب" لا ... بهددك." يتغير صوتها.. يصبح مخيفا " دي أرضنا و مش هنسيبها."
يتسمر مكانه يتقدم خطوة واحدة ليفعل شيئا لطالما تمنى فعله.. يزيح النظارة عن وجهها.. يسقط مغشيا عليه..
----------------------------------------------------------

1 comment:

  1. وبما اننا داخلين على للمرحلة دى تكون دى ٣ 😂

    ReplyDelete