إلى أبي




شهران مرا على فراقك يا أبي .. مرا كدهر .. كأطول ما تكون الأيام .. فارغة .. خاوية.. لا حياة بها..

عشت سنوات عمري أعلم عن ظهر قلب أنك الأقرب لقلبي وأن فراقك لن يستوعبه قلبي و عقلي ما حييت.. كنت أخشى تلك اللحظة و كثيرا ما تمنيت أن أغارد الحياة قبلك لكي لا يؤلمني رحيلك .. لكن اللقاء و الفراق ليسا دوما من اختيارنا..

منذ ولدت وأنا ابنتك المدللة التي سعيت دوما لتعطيها مما أوتيت من علم وحكمة.. تحكي لي ولأخوتي عن خبراتك وما قرأته وتعلمته في سنوات عمرك.. كان اجتماعنا معك دوما ممتعا.. أعطيتنا من روحك.. أعطيتنا كل ما آتاك الله من فضله.. كنت دوما بطلي وفي صغري كنت دوما أراك الأهم والأقوى في العالم :).. علمتني إلقاء الشعر منذ كنت في السادسة من عمري... كنت تشتري لي الكتب و الروايات .. شجعتني على لعب رياضة و كنت تصطحبني وإخوتي لتدريب الكراتية.. كنت تسهر لتذاكر لي كما كانت أمي تفعل أيضا.. علمتني أن يكون لي رأي ولو كان مختلفا فلا بأس بذلك.. كنت دوما تدعمني .. وجدت فرصة للسفر للدراسة بعد تخرجي فوافقت في الحال وكنت تسافر معي لاحضر الاختبار المطلوب و أجهز أوراقي, ولم تلمني للحظة عندما وصلنا متأخرين ولم يتم استلام أوراقي للتقديم بعد مجهود كبير منك و مني .. بل طيبت خاطري وأخذتني لتناول العشاء وعدنا من القاهرة للعريش وكل ما كان يشغلك فقط ألا أكون حزينة لضياع تلك الفرصة ..

أتذكر عندما عدت من عملك وأنا صغيرة لم أبلغ سن المدرسة ودخلت غرفتك لتستريح وسمعتني ألهو وأغني في الشرفة فناديتني وسألتني عن تلك الأغنية فقلت لك أنها أغنيتي ألفتها بنفسي فجلست معي لنكمل تأليفها معا .. أو عندما قررت أن أشارك بقصة في مسابقة مهرجان القراءة للجميع فشجعتني و ساعدتني في صياغتها وفازت القصة واصطحبتني لاستلام الجائزة و اشتريت عددا من نسخ الجريدة التي جاء بها اسمي بين الفائزين..

كنت معلمي الأول وأكثر من شجعني ودعمني في حياتي .. كانت ابتسامتك ولمعة عينيك عندما أحكي لك عن أي شيء أنجزه كفيلتان بجعل قلبي يكاد يقفز من مكانه .. كنت أسابق نفسي لأصل للبيت لأحكي لك عن أي شيء أنجزته لآراهما

لكنني يا أبي مهما خشيت فراقك لم أستطع يوما تخيل حال قلبي بدونك.. كنت أظن أنني أوتيت صبرا كالجبال و قلبا قويا يوم فارقتني فوقفت صامدة لم يقتلني الألم يومها بل ردد قلبي و لساني ما يقبله الله ويرضيك.. لكنني مازالت لا أقوى على استيعاب أنني لن أراك أمامي ثانية.. لا يتقبل عقلي أنني لن أسمعك تناديني وتطرب لسماعي أحكي لك تفاصيل يومي فتبتسم وتنطلق كلماتك لتربت على قلبي.. "متشيليش هم حاجة أبدا" لن يعيها عقلي من بشر سواك ..

أفتقد بدء يومي برؤيتك .. و صباح الخير بصوتك .. ورؤية ابتسامتك .. افتقد صوتك .. أفتقد حديثك .. أفتقد حكاياتك.. أفتقد نصيحتك .. أفتقد دعمك.. أفتقد حنانك .. أفتقد قلبك يشعر بما يضمره قلبي من خوف أو حزن أو ألم..أفتقد كلماتك .أفتقد تشجيعك في كل شيء ...

هل تتخيل أنني مازلت كلما فعلت شيئا قد يفرحك أول ما يخطر ببالي أنني سأحكي لك لأفرحك .. أو أن يخطر ببالي سؤالا عن شيء حكيته لنا فأقول سأسألك اليوم ..

أكره حديثهم عنك بصيغة الغائب. نبتسم وتدمع عيوننا عندما نجتمع لنتفقد صوتك وصورك في أجهزتنا.. ينتفض قلبي إذا ما مر صوتك ولو لثانية في أي شيء .. أعيده مرارا و تكرارا.. أغمض عيني ..أتخيلك هنا .. وأبكي مجددا..

نجتمع فيسأل كل منا الآخر " هل زارك أبي في منامك مجددا؟" و نستمع لأخبارك بشغف..

وأنا من بعدك كمن يقبع في قوقعة مزخرفة.. في الظاهر قوية و مبتسمة بينما قلبي يعتصره الألم وفي حلقي غصة تأبى أن تتركني .. أبكيك سرا.. انتظر رؤيتك كلما أغمضت عيناي.. أحداثك وأناديك كلما كنت وحدي..

أبي، الحياة بدونك ينقصها الكثير .. لكنني أعلم أن الله مؤكد قد اختار لك مكانا أفضل .. الناس بعدك ياأبي يذكرونك بكل خير ومحبة.. ويدعون لك..

وأنا سأظل على عهدي بأن أجعلك دوما تفتخر بي..

أحبك كثيرا .. وأفتقدك بشدة.. غفر الله لك و جزاك عنا خير الجزاء








No comments:

Post a Comment